اسم الکتاب : معارف النفس الراضية المؤلف : أبو لحية، نور الدين الجزء : 1 صفحة : 28
وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)([36])
وقد حكى بعض الحكماء من باب الإشارة ما فهمه بعض العارفين من هذا الدعاء،
فقال: (ومثاله فهم بعض أرباب القلوب من قوله a في سجوده: (أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك،
لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)، أنه قيل له a اسجد واقترب فوجد القرب في السجود فنظر إلى الصفات فاستعاذ ببعضها من بعض
فإن الرضا والسخط وصفان، ثم زاد قربه فاندرج القرب الأول فيه فرقي إلى الذات، فقال
أعوذ بك منك، ثم زاد قربه بما استحيا به من الاستعاذة على بساط القرب، فالتجأ إلى الثناء،
فأثنى بقوله لا أحصي ثناء عليك، ثم علم أن ذلك قصور فقال أنت كما أثنيت على نفسك)([37])
وقد عبر الشاعر عن هذه المعاني، فقال:
ومع تفنن واصفيه بحسنه
***
***
يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف
وهذه المعرفة ـ أيها المريد الصادق ـ تجعل صاحبها يعيش في انبهار عظيم،
ذلك أن المعرفة التامة التي تحيط بأي شيء، قد تثمر نوعا من الإلف به، والذي يزول
أثره مع الأيام.. لكن معرفة اللامحدود، واللامتناهي تجعل القلب دائما مشتاقا..
يشعر بالعجز.. وفي نفس الوقت يشعر بالانبهار..
فهو ليس عجزا ناشئا عن جهل.. ولا عن ضعف.. وإنما عن عظمة ذلك الذي يريد
أن يعرفه، وليس له من الأدوات ما يمكنه أن يعرفه به؛ فيظل قلبه مشتاقا إلى تلك
المعرفة.
ولهذا كان أجهل الناس بالله أولئك الذين راحوا يخضعونه لخيالاتهم
وأوهامهم
[36] رواه أَحمد (1/ 96 و18 أو 150) وأبو داود
(1427) والنسائي (3/ 248، 249) وابن ماجه (1179)