responsiveMenu
صيغة PDF شهادة الفهرست
   ««الصفحة الأولى    «الصفحة السابقة
   الجزء :
الصفحة التالیة»    الصفحة الأخيرة»»   
   ««اول    «قبلی
   الجزء :
بعدی»    آخر»»   
اسم الکتاب : ملتقى أهل اللغة المؤلف : مجموعة من المؤلفين    الجزء : 1  صفحة : 1197
وقفة مع وضع ابن مالك للشواهد النحوية
ـ[فيصل المنصور]ــــــــ[10 - 07 - 2011, 06:34 م]ـ
البسملة1

ابنُ مالكٍ علَمٌ كبيرٌ من أعلامِ النّحاة، لا يَجحَد علمَه إلا من يجحَد الشمسَ، ولا ينكِرُ مكانَه من الفضلِ إلا امرؤٌ لا يعرِف الفضلَ. وهو بلا شَكٍّ مجدِّدٌ من كِبار المجدِّدين، ورأسٌ من رءُوسِهم. ولا تَزالُ مدرستُه هي الغالبةَ على المدارس اليومَ، ولكنَّ ذلكَ لا يوجِبُ التسليمَ له، وتصديقَه في كلِّ ما يَنطِقُ به، لأنَّ الله تعالَى لم يجعَل ذلكَ إلا لأنبيائِه المبلِّغينَ عنه. فأمَّا غيرُهم من البشرِ، فهم عُرضَةٌ للخطأ، والصواب، وهم عُرضَةٌ للنَّقدِ أيضًا. وتَعظُم الحاجةُ إلى ذلك، وتشتدُّ إذا كانَ فيها حِفظٌ للعلمِ، وصِيانةٌ له من عَبَث العابثينَ، وانتحالِ المبطِلينَ. وقِدْمًا مَّا تكلَّمَ أهلُ الحديثِ بالجَرح، والتعديل لمَّا استيقَنُوا أنَّهم لو سكَتُوا عن ذلك، لقالَ مَن شاءَ ما شاءَ، ولدخلَ علَى الحديثِ، ثمَّ على الإسلامِ من جرَّاءِ ذلك باطلٌ، وفسادٌ كبيرٌ.
وقد كنتُ ذكرتُ أنَّ نعيمًا البدريَّ زعمَ في كتابِه (صناعةِ الشاهدِ الشعريِّ عند ابن مالكٍ الأندلسيِّ) أنَّ ابنَ مالكٍ وضعَ نحوَ سبعِ مئةِ بيتٍ من الشِّعر، وأدخلَها في كتبِه محتجًّا بها على مسائلَ من النَّحو. وذكرتُ أن هذا شيءٌ حاكَ في صدري منذ زمنٍ، حتَّى أمسَى عندي كاليقينِ الذي لا يخامِرُه شكٌّ. وقد أفضيتُ به إلى بعضِ أصحابي، وكنتُ أهُمُّ بالكتابةِ عنه، فتأبَى عليَّ نفسٌ مولَعةٌ بالإرجاءِ، كارهَةٌ للخروجِ علَى الناسِ بما لم يألفُوه، إذْ كانُوا أسرَع شيءٍ تكذيبًا لما فارقَ العادةَ، وخرجَ عن الإلفِ. وهذا كثيرٌ في العامَّة، ومن يتقيَّلُهم من المتعلِّمينَ. فأمَّا وقد قيلَ ما قيلَ، وصارَت هذه الدَّعْوَى علَنًا، وخاضَ فيها مَن خاضَ، فلا بُدَّ لي من كلِمةٍ أفصِّل بها بعضَ الحججِ على صدقِ هذه المقالةِ، وأدلي بشيءٍ من مَّا حقَّقَها في نفسي، لأنَّ صاحبَ الكِتابِ لم يستوفِ ذلكَ كلَّ الاستيفاءِ، وترَكَ شيئًا كثيرًا من القولِ لو ذكرَه، لكانَ أعزَّ لرأيِه، وأشدَّ تثبيتًا.
وأيًّا ما يكن، فحسبُه أنَّه كشَفَ الحُجُبَ عن باطلٍ لُبِّسَ على النَّاسِ زمانًا. وكأنَّ الذي وقفَ بهم دونَه ما ألقيَ في قلوبِهم من الإجلالِ لابنِ مالكٍ، وتعظيمِه، وما بلغَهم عنه من الثَّناءِ الغَمْر، فعاملُوه بحسنِ الظنِّ، ولكنَّ من حسنِ الظنِّ ما يَدخلُ في الغَفلةِ، ويُنسَب إلَى الغَباوةِ.
وقد وجدنا أنَّ أكثرَ من يخطئ الحقَّ أحدُ رجلينِ، رجلٌ يرفعُ العلماءَ فوقَ أقدارِهم، حتَّى تكون سيئاتُهم عندَه بمنزِلة حسناتِهم، وحتَّى يكون خطؤهم معدودًا في جملة صوابِهم، وحتَّى يعتقِد فيهم العِصْمةَ بفعلِه، وإن أنكرَ ذلك بلِسانِه. ولقلَّما ظفِرَ هذا الرجلُ بصوابٍ لم يُسبَق إليه، أو دَلَّ على خطأ لم يوقَف عليه، لأنَّ غايتَه اقتفاءُ المتقدِّم، فإنْ أصابَ فبِما أصابَ المتقدِّم، وإن أخطأ، فبِما أخطأ. وما أحسنَ ما قالَ أبو عثمانَ رحمه الله: (ولكنْ للنّاس تأسٍّ وعاداتٌ، وتقليدٌ للآباء، والكبراء، ويعملون على الهوى، وعلى ما يسبقُ إلى القلوب، ويستثقلون التحصيلَ، ويُهملون النّظرَ حتى يصيروا في حالٍ متى عاودوه، وأرادوه، نظروا بأبصار كليلة، وأذهان مدخولة) [الحيوان 4/ 482].
وأما الآخَر، فرجلٌ لا يَزالُ دأبُه الغضَّ من العُلَماءِ، والزِّرايةَ عليهم، والمسارعةَ في تخطئتهم، وتجهيلِهم. وَمثلُ هذا خليقٌ أن يُحرَم الإصابةَ، ونُجْحَ الرأيِ، لأنَّ العُلَماءَ كانُوا والزَّمانُ غَضٌّ، والعِلْم لم يدرُس رسمُه، ولم يمصَح أثَرُه، وكانَ حرصُهم عليه أشدَّ من حرصِنا، واشتغالُهم به أكثرَ من اشتغالِنا، وعقولُهم يومَ إذٍ خِلْوٌ إلا مِنه، لم يكدِّر صفاءَها صخَبُ المدنيَّة، وضوضاؤُها. وقد كانَ فيهِم أذكياءُ الدنيا، وعباقِرتُها، فلا عَجَبَ أن تكونَ إصابتُهم أكثرَ من إصابتِنا، ومذاهبُهم في العِلْم أسدَّ من مذاهبِنا.
فإذا خرجْتَ من أن تكونَ أحدَ هذين الرجلين، وعصمَك الله من سَورةِ الهوَى، وجَوْرِ العاطفةِ، وحلاَّك بحِلية الإنصافِ، لم تعجَل على القولِ المحدَثِ بالطَّعْن حتَّى تعرِف حججَه، ثم تتدبَّرها في نفسِك، ولم يكن من المُحالِ عندَك أن يجمعَ الرجل بين خصلتينِ متنافرتينِ، كالعِلْم، والتدليسِ، لأنَّه قد يكونُ الرجلُ عالِمًا وفيهِ خَصلةٌ ينهَى عنها العِلْم. والنَّاسُ إذا أثنَوا على رجلٍ، فإنما يُثنُون بما رأَوا، وبما عرَفُوا، وقد تخفَى عليهم كثيرٌ من أخلاقِه، وسرائرِه.
(وقد كنا زمانًا نعتذر من الجهل، فقد صرنا الآنَ نحتاج إلى الاعتذارِ من العلم. وكنا نؤمِّل شكرَ الناس بالتنبيه، والدّلالة، فصرنا نرضَى بالسلامة. وليس هذا بعجيبٍ مع انقلاب الأحوالِ، ولا يُنكر مع تغيُّرِ الزمان. وفي الله خلفٌ. وهو المستعان) [ابن قتيبة في إصلاح غلط أبي عبيد في غريب الحديث 46].

يُتبَع
¥

اسم الکتاب : ملتقى أهل اللغة المؤلف : مجموعة من المؤلفين    الجزء : 1  صفحة : 1197
   ««الصفحة الأولى    «الصفحة السابقة
   الجزء :
الصفحة التالیة»    الصفحة الأخيرة»»   
   ««اول    «قبلی
   الجزء :
بعدی»    آخر»»   
صيغة PDF شهادة الفهرست