اسم الکتاب : مذكرات شاهد للقرن المؤلف : مالك بن نبي الجزء : 1 صفحة : 224
كنت في هذه الأثناء عقدت بعض الصداقات بمدرسة اللاسلكي، من بينها صداقة مع شاب يهودي نزح مع أسرته من رومانيا، غداة الحرب العالمية الأولى، عندما استولى السوفيات على مقاطعة (بساربيا) ومسقط رأسه بمدينة (كتشينيف).
كنا نذهب كل عشية سبت إلى سوق البرغوث [1] بباب (كلينيانكور)، وفيه يتسكع الباحثون عن خردوات يشترون منها بالثمن البخس، ما يصلحون به آلة أو يلفقون به جهازاً، فكنا نحن نبحث عن أجهزة لاسلكي قديمة لنفككها ونركبها من جديد حتى نتمرن في مهنتنا.
وكان صديقي يدعوني أحياناً إلى بيته، فتستقبلني عمته وبناتها بكل كياسة ويقدمن لي غالباً الشاي بالليمون، وأتيح لي خلال تلك الزيارات أن أكون فكرة أقرب للواقع عن المشكلة اليهودية في العالم.
كان كل فرد في هذه الأسرة يحصّل قوته بكد يديه وعرق جبينه، وكانت إذ ذاك تقليعة الأحذية المشبكة شائعة بين السيدات بباريس وفي العالم، فكانت أسرة صديقي (كرليك) تشتغل طيلة النهار في إحدى غرف الشقة، التي صارت بسبب ذلك ورشة تعمل فيها الآنسات لحساب متجر من تلك المتاجر الضخمة المشهورة في باريس، بينما كانت الأم العجوز تقوم بشؤون المنزل.
وكان صديقي هو الذي يذهب للمتجر الكبير مرة في الأسبوع، لتموين الورشة من الأشرطة الجلدية الملونة، وليأتي بأجر قريباته.
كان فكري وأنا منكب في ناحية من الشقة على جهاز الراديو، أفكك أو أصلح، يراقب صعود جنس للاستيلاء على العالم، كنت أشعر بأن البنتين كانتا من النوع المثقف جعلتهما الضرورة تحصّلان القوت بعمل اليد، وألاحظ لهما رأياً [1] هكذا كان يسمى بسبب الأشياء القديمة التي تعرض في السوق للبيع.
اسم الکتاب : مذكرات شاهد للقرن المؤلف : مالك بن نبي الجزء : 1 صفحة : 224