responsiveMenu
صيغة PDF شهادة الفهرست
   ««الصفحة الأولى    «الصفحة السابقة
   الجزء :
الصفحة التالیة»    الصفحة الأخيرة»»   
   ««اول    «قبلی
   الجزء :
بعدی»    آخر»»   
اسم الکتاب : تفسير ابن كثير - ت سلامة المؤلف : ابن كثير    الجزء : 1  صفحة : 203
تَنْبِيهٌ يَنْبَغِي الْوُقُوفُ عَلَيْهِ:
قَوْلُهُ: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} وَقَوْلُهُ فِي سُورَةِ يُونُسَ: {بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} [يُونُسَ: 38] يَعُمُّ كُلَّ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ طَوِيلَةً كَانَتْ أَوْ قَصِيرَةً؛ لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ فَتَعُمُّ كَمَا هِيَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ، فَالْإِعْجَازُ حَاصِلٌ فِي طِوَالِ السُّوَرِ وَقِصَارِهَا، وَهَذَا مَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا بَيْنَ النَّاسِ سَلَفًا وَخَلَفًا، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} يَتَنَاوَلُ سُورَةَ الْكَوْثَرِ وَسُورَةَ الْعَصْرِ، وَ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِمِثْلِهِ أَوْ بِمَا يَقْرُبُ مِنْهُ مُمْكِنٌ. فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ الْإِتْيَانَ بِمِثْلِ هَذِهِ السُّوَرِ خَارِجٌ عَنْ مَقْدُورِ الْبَشَرِ كَانَ مُكَابَرَةً، وَالْإِقْدَامُ عَلَى هَذِهِ الْمُكَابَرَاتِ مِمَّا يَطْرُقُ بِالتُّهْمَةِ [1] إِلَى الدِّينِ: قُلْنَا: فَلِهَذَا السَّبَبِ اخْتَرْنَا الطَّرِيقَ الثَّانِيَ، وَقُلْنَا: إِنْ بَلَغَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي الْفَصَاحَةِ حَدَّ الْإِعْجَازِ فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، كَانَ امْتِنَاعُهُمْ مِنَ الْمُعَارَضَةِ مَعَ شِدَّةِ دَوَاعِيهِمْ إِلَى تَهْوِينِ أَمْرِهِ مُعْجِزًا [2] ، فَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَحْصُلُ الْمُعْجِزُ [3] ، هَذَا لَفْظُهُ بِحُرُوفِهِ. وَالصَّوَابُ: أَنَّ كُلَّ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ مُعْجِزَةٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْبَشَرُ مُعَارَضَتَهَا طَوِيلَةً كَانَتْ أَوْ قَصِيرَةً.
قَالَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ تَدَبَّرَ النَّاسُ هَذِهِ السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [سُورَةُ الْعَصْرِ] . وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ وَفَدَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، فَقَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ: مَاذَا أُنْزِلَ عَلَى صَاحِبِكُمْ بِمَكَّةَ فِي هَذَا الْحِينِ؟ فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: لَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ سُورَةٌ وَجِيزَةٌ بَلِيغَةٌ فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ فَقَالَ: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} فَفَكَّرَ سَاعَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: وَلَقَدْ أُنْزِلَ عليَّ مِثْلُهَا، فَقَالَ: وَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: يَا وبْر يَا وبْر، إِنَّمَا أَنْتَ أُذُنَانِ وَصَدْرٌ، وَسَائِرُكَ حَقْرٌ فَقْرٌ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَرَى يَا عَمْرُو؟ فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أني لأعلم إنك تكذب [4] .

[1] في أ: "الفهم".
[2] في أ: "معجز".
[3] في أ: "العجز".
[4] سيأتي الكلام على هذه القصة عند تفسير سورة العصر.
{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) }
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا أَعَدَّهُ لِأَعْدَائِهِ مِنَ الْأَشْقِيَاءِ الْكَافِرِينَ بِهِ [1] وَبِرُسُلِهِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ، عَطف بِذِكْرِ حَالِ أَوْلِيَائِهِ مِنَ السُّعَدَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ [2] وَبِرُسُلِهِ، الَّذِينَ صَدَّقوا إِيمَانَهُمْ بِأَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ، وَهَذَا مَعْنَى تَسْمِيَةِ الْقُرْآنِ "مَثَانِيَ" عَلَى أَصَحِّ أَقْوَالِ [3] الْعُلَمَاءِ، كَمَا سَنَبْسُطُهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ الْإِيمَانَ وَيُتْبِعَهُ بِذِكْرِ الْكُفْرِ، أَوْ عَكْسِهِ، أَوْ حَالَ السُّعَدَاءِ ثُمَّ الْأَشْقِيَاءِ، أَوْ عَكْسِهِ. وَحَاصِلُهُ ذِكْرُ الشَّيْءِ وَمُقَابِلُهُ. وَأَمَّا ذِكْرُ الشَّيْءِ وَنَظِيرُهُ فَذَاكَ التَّشَابُهُ، كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ} فَوَصَفَهَا بِأَنَّهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا

[1] في جـ: "بالله تعالى".
[2] في جـ: "بالله تعالى".
[3] في جـ: "قولي".
اسم الکتاب : تفسير ابن كثير - ت سلامة المؤلف : ابن كثير    الجزء : 1  صفحة : 203
   ««الصفحة الأولى    «الصفحة السابقة
   الجزء :
الصفحة التالیة»    الصفحة الأخيرة»»   
   ««اول    «قبلی
   الجزء :
بعدی»    آخر»»   
صيغة PDF شهادة الفهرست