responsiveMenu
صيغة PDF شهادة الفهرست
   ««الصفحة الأولى    «الصفحة السابقة
   الجزء :
الصفحة التالیة»    الصفحة الأخيرة»»   
   ««اول    «قبلی
   الجزء :
بعدی»    آخر»»   
اسم الکتاب : تاريخ آداب العرب المؤلف : الرافعي ، مصطفى صادق    الجزء : 1  صفحة : 190
حفظ الأسانيد في الحديث:
وقد عني المحدثون بعلم الرجال أتم عناية وأكملها، بحيث لا يتعلق بغبارهم في ذلك الشأو مؤرخو الأمم جمعاء، حتى جعلوا الإسناد عاليه ونازله كأنه علم الأخلاق التاريخي، قد رتبوا فيه الرجال على طبقاتهم، وأنزلوهم على المراتب المتفاوتة من العدالة والضبط، ووزنوهم في كفتي التجريح والتعديل[1]، وحاسبوهم على كل دقيق وجليل، وبحثوا فيما كان من أمرهم على العزيمة وما كان على الرخصة، وحفظوا أسماءهم وتبينوا صفاتهم، وتصفحوا على أخلاقهم، كما يعرف الرجل الحكيم مثل ذلك من بنيه وأقرب الناس إليه.
وهذا شأن لا تصوره الكلمات، ولا يصفه إلا النظر في كتبه المدونة، كالكتب الموضوعة للطبقات والموضوعات وشورح الأمهات من كتب الحديث، كصحيح البخاري ونحوه.
وقد قال دغفل بن حنظلة: "إن العلم أربعًا: آفة، ونكدًا، وإضاعة، واستجاعة؛ فآفته النسيان،

[1] مما يشترطونه في رواية الحديث: أن يكون عدلًا ضابطًا، وقد اختلفوا في تعريفهما اختلافًا كثيرًا يناسب خطر ما يبنى عليهما، حتى ردوا العدالة مرد الملكات الثابتة في النفس؛ لأن مبناها على الأخلاق التي تعصم من الكذب والابتداع، واصطلحوا على أن الضابط هو الذي يقل خطؤه في الرواية ووهمه فيها بحيث يوافق الثقات فيما يرويه، ويسمون ذلك إتقانًا أيضًا، أما الثقة فهو الذي يجمع بين العدالة والضبط. ولا يقبلون من مجهول العدالة، كما لا يقبلون من مجهول العين الذي لم تعرفه العلماء؛ ولكل ذلك شروط وأقسام كان المتقدمون يتشددون فيها، فلما تأخر الزمن وتشعبت طرق الإسناد، وكثر الرجال وقت شروط العدالة البالغة، وذلك حوالي المائة العاشرة؛ ترخص المحدثون في تلك الشروط، واكتفوا بأن يعتبروا في راوي الحديث الإتقان وحسن الأحدوثة ونحو ذلك، حتى لا تنفصم سلاسل الإسناد إذا فرض أنه لم يكن يد من إحلال أحد رجالها المتأخرين بما اشترطه المتقدمون.
ولألفاظ التعديل عندهم مراتب: أعلاها قولهم:
1- ثقة أو متقن أو ضابط أو حجة.
2- خير صدوق مأمون لا بأس به.
3- شيخ.
4- صالح الحديث.
ولألفاظ التجريح مراتب أيضًا: أدناها:
1- لين الحديث.
2- ليس بقوي، وليس بذلك.
3- مقارب الحديث، أي: رديئه.
4- متروك الحديث وكذاب ووضاع ودجال وواه. رواه بمرة، أي: قولًا واحدًا لا تردد فيه.
وبعض هذه الألفاظ يستعمله الأدباء، ولذلك ذكرناها حتى تعرف مراتبها. ومتى انتهينا إلى الكلام في علم الرواية وتدوينه نذكر أول من تكلم في الرجال جرحًا وتعديلًا.
ومن غريب التناقض في أمر هؤلاء أن في نفس اعتراضهم الجواب عليه، فهم يقولون إن الخبر من الأخبار لا يثبت إلا عن رؤية حتى تكون حكايته على يقين، فإذا عارضتهم بخبر وناظرتهم فيه قالوا لك: هل رأيت؟ هل شهدت؟ هل لقيت صاحب الخبر، وليت شعري، هل غاية الإسناد إلا أن تكون كأنك رأيت وشهدت ولقيت صاحب الخبر الذي تسنده؟ وهل هو -الإسناد- إلا تحقيق المعاصرة التي هي الشرط في ثبوت الرواية حتى كأنك أشهدت الزمان على صحة ما ترويه؛ لأن كل رجل في سلسلة الإسناد إنما هو قطعة من الزمن تتصل بقطعة إلى قطعة حتى يتهيأ من ذلك مسلك التاريخ ويتضح نهجه كأنك تبصره على رأي العين ويقين الخبرة.
اسم الکتاب : تاريخ آداب العرب المؤلف : الرافعي ، مصطفى صادق    الجزء : 1  صفحة : 190
   ««الصفحة الأولى    «الصفحة السابقة
   الجزء :
الصفحة التالیة»    الصفحة الأخيرة»»   
   ««اول    «قبلی
   الجزء :
بعدی»    آخر»»   
صيغة PDF شهادة الفهرست