والنهي يقتضي التحريم، فاقتضى ذلك أن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام، وهذا رافع للإباحة التي أشارت إليها الآية الكريمة، ولا معنى للنسخ إلا هذا، والحديث ليس متواتراً وإنما هو أحاد فيكون القطعي قد نسخ بالظني فثبت المطلوب.
وأجيب عن ذلك بوجهين:
الوجه الأول: قال المخالفون في نسخ القطعي بالظني: لا نسلم أن الآية فيها حصر للمحرمات بالنسبة للماضي والحاضر والمستقبل، بل أقصى ما تدل عليه الآية أن المحرمات إلى وقت نزولها هذه الأشياء المذكورة، وذلك لا يمنع من تحريم أشياء أخرى في المستقبل، والدليل على عدم الحصر بالنسبة إلى المستقبل أن الفعل في قوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ} حقيقة في الحال، فيحمل الكلام عليه؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة، وحيث انعدم النسخ هنا لعدم وجود حقيقته يكون الكلام من قبيل التخصيص، وتخصيص المتواتر بالآحاد جائز.
الوجه الثاني:
قالوا: سلمنا أن الآية فيها حصر للمحرمات في المذكورات بالنسبة للماضي والحاضر والمستقبل، ولكن نمنع أن يكون ما رفعه الحديث من قبيل النسخ[1]؛ لأن الحديث إنما رفع الإباحة الأصلية، ورفع الإباحة الأصلية [1] إنما يتوجه هذا على رأي من يمنع القول بحجية المفهوم المخالف، وفي الجمهور هنا من يقول بحجيته فكيف يستقيم لهم ذلك.
ويمكن أن يجاب عنهم بأن حجية المفهوم مشروطة بعدم وجود دليل معارض، وهنا دل الدليل على تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، وذب مخلب من الطير، فالموضوع خارج عن محل الاستدلال بالمفهوم كما ترى.
ولو سلم أن الإباحة فهمت من الآية بطريق مفهوم الحصر فيكون رفعها نسخاً، لكان الجواب لمن يرى حجية المفهوم أن يقول دلالة المفهوم من قبيل الظني، فما رفع الظني إلا ظني مثله.