responsiveMenu
صيغة PDF شهادة الفهرست
   ««الصفحة الأولى    «الصفحة السابقة
   الجزء :
الصفحة التالیة»    الصفحة الأخيرة»»   
   ««اول    «قبلی
   الجزء :
بعدی»    آخر»»   
اسم الکتاب : مختصر تفسير ابن كثير المؤلف : الصابوني، محمد علي    الجزء : 1  صفحة : 531
على اليهود فمسخهم جعلهم مثلهم» وقوله تعالى: {وَعَبَدَ الطاغوت} قرىء {وعَبَدَ الطاغوتَ} عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ، وَالطَّاغُوتَ مَنْصُوبٌ بِهِ، أَيْ وَجُعِلَ مِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ الطاغوت، وقرىء {وعَبَدِ الطَّاغُوتِ} بِالْإِضَافَةِ، عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى وَجَعَلَ منهم خدم الطاغوت أي خدامه وعبيده، والمعنى يَا أَهْلَ الكتاب الطاعنين في ديننا الذي هُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ وَإِفْرَادُهُ بِالْعِبَادَاتِ دُونَ مَا سِوَاهُ، كَيْفَ يَصْدُرُ مِنْكُمْ هَذَا وَأَنْتُمْ قَدْ وُجِدَ مِنْكُمْ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ؟ وَلِهَذَا قَالَ {أُولَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً} أَيْ مِمَّا تَظُنُّونَ بِنَا {وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} وَهَذَا مِنْ بَابِ استعمال أفعال التَّفْضِيلِ فِيمَا لَيْسَ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مُشَارَكَةٌ.
وقوله تعالى: {وَإِذْ جَآءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ} وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يُصَانِعُونَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الظَّاهِرِ وَقُلُوبُهُمْ مُنْطَوِيَةٌ على الكفر، ولهذا قال: {وَقَدْ دَّخَلُواْ} أَيْ عِنْدِكَ يَا مُحَمَّدُ {بِالْكُفْرِ} أَيْ مُسْتَصْحِبِينَ الْكُفْرَ فِي قُلُوبِهِمْ ثُمَّ خَرَجُوا وَهُوَ كَامِنٌ فيها لمن يَنْتَفِعُوا بِمَا قَدْ سَمِعُوا مِنْكَ مِنَ الْعِلْمِ، وَلَا نَجَعَتْ فِيهِمُ الْمَوَاعِظُ وَلَا الزَّوَاجِرُ، وَلِهَذَا قال: {هم قَدْ خَرَجُواْ بِهِ} فَخَصَّهُمْ بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وقوله تعالى: {والله أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ} أي عالم بسائرهم وما تنطوي عليه ضَمَائِرُهُمْ وَإِنْ أَظْهَرُوا لِخَلْقِهِ خِلَافَ ذَلِكَ وَتَزَيَّنُوا بما ليس فيهم، فإن الله عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْهُمْ، وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ أَتَمَّ الْجَزَاءِ. وَقَوْلُهُ: {وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يسارعون في الغثم وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ} أَيْ يُبَادِرُونَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ تَعَاطِي الْمَآثِمِ وَالْمَحَارِمِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى النَّاسِ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَهُمْ بِالْبَاطِلِ {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أَيْ لَبِئْسَ الْعَمَلُ كَانَ عَمَلُهُمْ وَبِئْسَ الِاعْتِدَاءُ اعتداؤهم.
وقوله تَعَالَى: {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} يعني: هلا كان ينهاهم الربانون والأحبار منهم عن تعاطي ذلك؟ و {الربانيون} هم العلماء العمال}، أرباب الولايات عليهم. والأحبار هم العلماء فقط {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} يعني من تركهم ذلك، قاله ابن عباس. وقال ابن جرير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ تَوْبِيخًا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السحت لبئس ما كانوا يعملون}، قَالَ: كَذَا قَرَأَ وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَخْوَفُ عِنْدِي مِنْهَا إِنَّا لا ننهى. وقال بان أبي حاتم عن يحيى بن يعمر قالك خطب (لعي بْنُ أَبِي طَالِبٍ) فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثم قال: «أيها الناس إنا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِرُكُوبِهِمُ الْمَعَاصِي، وَلَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ، فَلَمَّا تَمَادَوْا فِي الْمَعَاصِي أَخَذَتْهُمُ الْعُقُوبَاتُ، فَمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهُوا عَنِ الْمُنْكَرِ، قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ بِكُمْ مِثْلُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ لَا يَقْطَعُ رِزْقًا وَلَا يُقَرِّبُ أَجَلًا» وروى أبو داود عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فِي قَوْمٍ يَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي يَقْدِرُونَ أَنْ يُغِّيرُوا عَلَيْهِ فَلَا يُغَيِّرُونَ إِلَّا أَصَابَهُمُ الله بعقاب قبل أن يموتوا».

- 64 - وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
- 65 - وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكتاب

اسم الکتاب : مختصر تفسير ابن كثير المؤلف : الصابوني، محمد علي    الجزء : 1  صفحة : 531
   ««الصفحة الأولى    «الصفحة السابقة
   الجزء :
الصفحة التالیة»    الصفحة الأخيرة»»   
   ««اول    «قبلی
   الجزء :
بعدی»    آخر»»   
صيغة PDF شهادة الفهرست