responsiveMenu
صيغة PDF شهادة الفهرست
   ««الصفحة الأولى    «الصفحة السابقة
   الجزء :
الصفحة التالیة»    الصفحة الأخيرة»»   
   ««اول    «قبلی
   الجزء :
بعدی»    آخر»»   
اسم الکتاب : تفسير المنار المؤلف : رشيد رضا، محمد    الجزء : 1  صفحة : 64
عَلَيْهِ: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (21: 107) وَلِذَلِكَ لَمْ تَنْزِلِ الْبَسْمَلَةُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ التَّوْبَةِ الَّتِي فَضَحَتْ آيَاتُهَا الْمُنَافِقِينَ، وَبُدِئَتْ بِنَبْذِ عُهُودِ الْمُشْرِكِينَ، وَشُرِعَ فِيهَا الْقِتَالُ بِصِفَةٍ أَعَمُّ مِمَّا أَنْزَلَهُ فِيمَا قَبْلَهَا مِنْ أَحْكَامِهِ.
وَهَذَا الَّذِي شَرَحْنَاهُ يُفَنِّدُ زَعْمَ بَعْضِ الْمُتَعَصِّبِينَ الْغُلَاةِ فِي ذَمِّ الْإِسْلَامِ بِالْهَوَى الْبَاطِلِ أَنَّ رَبَّ الْمُسْلِمِينَ رَبٌّ غَضُوبٌ مُنْتَقِمٌ قَهَّارٌ، وَدِينَهُمْ دِينُ رُعْبٍ وَخَوْفٍ، بِخِلَافِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ الَّذِي يُسَمِّي الرَّبَّ أَبًا لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّهُ يُعَامِلُ عِبَادَهُ كَمُعَامَلَةِ الْأَبِ لِأَوْلَادِهِ، وَقَدْ أَشَارَ شَيْخُنَا إِلَى هَذَا الزَّعْمِ وَفَنَّدَهُ فِي تَفْسِيرِ اسْمِ الرَّبِّ. وَسَنَذْكُرُ فِي فَائِدَةٍ أُخْرَى الْمُقَابَلَةَ بَيْنَ صَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ بِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَصَلَاةِ النَّصَارَى بِالصِّيغَةِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَهُمْ بِالصَّلَاةِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ الرَّبَّ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنَ الْأُمِّ بِوَلَدِهَا الرَّضِيعِ، وَأَنَّ جَمِيعَ مَا أَوْدَعَهُ فِي قُلُوبِ خَلْقِهِ مِنَ الرَّحْمَةِ جُزْءٌ مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ مِنْ رَحْمَتِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَيَجِدُ الْقَارِئُ تَفْصِيلَ الْقَوْلِ فِي سَعَةِ الرَّحْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) (7: 156) مِنْ سُورَةِ الْأَعْرَافِ.
تَفْسِيرُ صِفَةِ الرَّحْمَةِ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ
مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ شَيْخِنَا فِي مَعْنَى الرَّحْمَةِ (ص 38) . تَبِعَ فِيهِ مُتَكَلِّمِي الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمُفَسِّرِيهِمْ كَالزَّمَخْشَرِيِّ وَالْبَيْضَاوِيِّ ذُهُولًا. وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ الرَّحْمَةَ لَيْسَتْ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ أَوْ صِفَاتِ الْمَعَانِي الْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ تَعَالَى لِاسْتِحَالَةِ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ عَلَيْهِ فَيَجِبُ تَأْوِيلُهَا بِلَازِمِهَا وَهُوَ الْإِحْسَانُ فَتَكُونُ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ كَالْخَالِقِ الرَّزَّاقِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُمْكِنُ تَأْوِيلُهَا بِإِرَادَةِ الْإِحْسَانِ فَتَرْجِعُ إِلَى صِفَةِ الْإِرَادَةِ فَلَا تَكُونُ صِفَةً مُسْتَقِلَّةً. وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ فَلْسَفَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ الْبَاطِلَةِ الْمُخَالَفَةِ لِهَدْيِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ صِفَةَ الرَّحْمَةِ كَصِفَةِ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ وَسَائِرِ مَا يُسَمِّيهِ الْأَشَاعِرَةُ صِفَاتِ الْمَعَانِي وَيَقُولُونَ إِنَّهَا صِفَاتٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. فَإِنَّ مَعَانِيَ هَذِهِ الصِّفَاتِ كُلِّهَا بِحَسْبِ مَدْلُولِهَا اللُّغَوِيِّ وَاسْتِعْمَالِهَا فِي الْبَشَرِ مُحَالٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى إِذِ الْعِلْمُ بِحَسْبَ مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ هُوَ صُورَةُ الْمَعْلُومَاتِ فِي الذِّهْنِ، الَّتِي اسْتَفَادَهَا مِنْ إِدْرَاكِ الْحَوَاسِّ أَوْ مِنَ الْفِكْرِ، وَهِيَ بِهَذَا الْمَعْنَى مُحَالٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّ عِلْمَهُ تَعَالَى قَدِيمٌ بِقِدَمِهِ غَيْرُ عَرَضٍ مُنْتَزَعٍ مِنْ صُوَرِ الْمَعْلُومَاتِ. وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي سَمْعِهِ تَعَالَى وَبَصَرِهِ وَقَدْ عَدُّوهُمَا مِنْ صِفَاتِ الْمَعَانِي الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهِ، وَالرَّحْمَةُ مِثْلُهَا فِي هَذَا.
فَقَاعِدَةُ السَّلَفِ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ الَّتِي وَصَفَ اللهُ تَعَالَى بِهَا نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ أَنْ نُثْبِتَهَا لَهُ وَنُمِرَّهَا كَمَا جَاءَتْ مَعَ التَّنْزِيهِ عَنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ الثَّابِتِ عَقْلًا وَنَقْلًا بِقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) فَنَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ عِلْمًا حَقِيقِيًّا هُوَ وَصْفٌ لَهُ، وَلَكِنَّهُ لَا يُشْبِهُ عِلْمَنَا، وَإِنَّ لَهُ سَمْعًا حَقِيقِيًّا هُوَ وَصْفٌ لَهُ لَا يُشْبِهُ سَمْعَنَا، وَإِنَّ لَهُ رَحْمَةً حَقِيقِيَّةً هِيَ وَصْفٌ لَهُ لَا تُشْبِهُ رَحْمَتَنَا الَّتِي هِيَ انْفِعَالٌ فِي النَّفْسِ، وَهَكَذَا نَقُولُ فِي سَائِرِ صِفَاتِهِ تَعَالَى فَنَجْمَعُ بِذَلِكَ بَيْنَ النَّقْلِ وَالْعَقْلِ،

اسم الکتاب : تفسير المنار المؤلف : رشيد رضا، محمد    الجزء : 1  صفحة : 64
   ««الصفحة الأولى    «الصفحة السابقة
   الجزء :
الصفحة التالیة»    الصفحة الأخيرة»»   
   ««اول    «قبلی
   الجزء :
بعدی»    آخر»»   
صيغة PDF شهادة الفهرست