responsiveMenu
صيغة PDF شهادة الفهرست
   ««الصفحة الأولى    «الصفحة السابقة
   الجزء :
الصفحة التالیة»    الصفحة الأخيرة»»   
   ««اول    «قبلی
   الجزء :
بعدی»    آخر»»   
اسم الکتاب : تاريخ آداب العرب المؤلف : الرافعي ، مصطفى صادق    الجزء : 1  صفحة : 140
تمدن العرب اللغوي فلسفة الفصل:
هذا فصل من الكلام نرمي فيه إلى أقصى غايات العقل العربي في الحياة، وأدنى آفاقه من الخلود؛ إذ نصف مبلغ ما انتهى إليه من الكمال في وضع هذه اللغة وإحكامها عن سنن كيفما تدبرتها رأيت فيها المعنى الإلهي الذي لا دليل عليه إلا شعور النفس به، والنفس هي البقية السماوية في الإنسان.
تلك السنن التي خرجت بها اللغة كأنها عقل حي تتلامح في جهات الحكمة خطراته وتتراسل من أعين الوحي نظراته؛ بل كأنها معنى إلهي مبتكر ألقي في هذه الطبيعة ليتحول به وجه العالم إلى جهة الله، فما زال ينكشف من أطرافه شيئًا فشيئًا حتى ظهر سر ابتداعه في القرآن الكريم فاتضح عن روعة تملك على الإنسان مذاهب حسه، وتنساب في قلبه لتتصل بالروح الإلهي من نفسه.
وقد وصفنا بما تقدم تكوين اللغة في الجملة بما فيها من أسباب القوة والجمال، ونحن واضعون من هذا الفصل مرآة تصف محاسنها وصفًا معنويا تأخذ الأعين منه تفصيلًا في جملة، وجملة في تفصيل؛ لأنه ليس كالأمور المعنوية ما تجد فيه قوة الإفصاح عن الأسرار الصامتة؛ إذ تكون مقابلة الأوصاف بموصوفاتها نطقًا بليغًا من لسان الحقيقة.
ومن المعلوم بالضرورة أن اللغة صورة الاجتماع، وأن العرب لولا ما سبق في علم الله من أمر سيكون فيهم؛ وقدر واقع بهم، وشأن في الغيب مخبوء لهم, لما عدوا في الاعتبار الاجتماعي أن يعدوا موجودات إنسانية مهملة، كأنهم بقايا منسية من التاريخ.
وقد تقرر عند الحكماء أن غنى اللغة بألفاظها، واتساع وجوه التصرف فيها دليل بين على مدنية أهلها وسعة متفيئهم فيظل الاجتماع؛ فلا يبقى إلا أن يكون للعرب تمدن لغوي خصوا به من أصل الفطرة؛ إذ هم لم يكونوا في معادن العلوم ولا موطن الصناعات، ولا كان في أيديهم من أدوات الأمم ومرافق الاجتماع إلا متاع قليل لا يبلغ بجملته أن يكون تفسيرًا موجزًا للفظ "العرب" في معجم الأمم. فالحكمة التي جعلت من قديم مدنية الفنون في أيدي الصينيين، ومدنية العلوم في رءوس اليونانيين، هي التي خصت مدنية اللغات بألسنة العرب.
وإذا تدبرت معنى التمدن بما يعطيك من آثاره، رأيت له في كل مجتمع صورتين: الأولى صورة الفرد في باطنه، والثانية صورة الجماعة في ظاهرها؛ ولن يكون التمدن حقيقيا إلا إذا كان أساسه نمو الصفات العقلية في الفرد الواحد بما يتهيأ له من الفضائل التي هي مادة التغير العقلي في نموه وإنشائه نشأة جديدة تستتبع نشأة التاريخ في المجموع؛ ولا مراء في أن الأحوال الظاهرة للجماعة إنما هي مرآة التغيرات الباطنة في الأفراد، فكأن الاجتماع في معناه ليس إلا مجموع آثار العقول وتاريخ التغيرات النفسية.

اسم الکتاب : تاريخ آداب العرب المؤلف : الرافعي ، مصطفى صادق    الجزء : 1  صفحة : 140
   ««الصفحة الأولى    «الصفحة السابقة
   الجزء :
الصفحة التالیة»    الصفحة الأخيرة»»   
   ««اول    «قبلی
   الجزء :
بعدی»    آخر»»   
صيغة PDF شهادة الفهرست