responsiveMenu
صيغة PDF شهادة الفهرست
   ««الصفحة الأولى    «الصفحة السابقة
   الجزء :
الصفحة التالیة»    الصفحة الأخيرة»»   
   ««اول    «قبلی
   الجزء :
بعدی»    آخر»»   
اسم الکتاب : تاريخ آداب العرب المؤلف : الرافعي ، مصطفى صادق    الجزء : 1  صفحة : 114
نمو العربية وطرق الوضع فيها:
العربية أوسع اللغات مدى، أغزرهن مادة، وأوفاهن بالحاجة الحقيقية من معنى اللغة؛ لكثرة أبنيتها، وتعدد صيغها، ومرونتها على الاشتقاق، وانفساحها من ذلك إلى ما يستغرق اللغات بجملتها، مع أنها أقل هذه اللغات أوضاعًا، حتى إن المستعمل منها لا يتجاوز ستة آلاف تركيب، وإذا رددت الثلاثي منه وما فوقه إلى التركيب الثنائي، لم يكد يزيد ما يخرج منه على ثلاثمائة لفظة، هي أصل الأوضاع وسائر التراكيب المستعملة متفرع عنها. كما تفرعت سائر مواد اللغة عن هذه التراكيب بالاشتقاق، وهي في الجملة لا تقل عن ثمانين ألف مادة، عدة ما اشتمل عليه معجم لسان العرب.
وظاهر أن اللغة لم تترام إلى هذا الاتساع إلا بعد أن قلبت على وجوه كثيرة في الاستعمال، وأديرت على مناحي مختلفة من الوضع؛ بما في أصل تكوينها من الحياة النامية التي تكافئ حياة أهلها وتماد أزمنتها مهما كثرت أغراض هذه الحياة واستفاضت معانيها، واستبحرت في مذاهب العمران؛ فهي في الكفاية سواء يوم كانت لغة الطبيعة البدوية الخشنة لا تلقيها إلا على ألسنة البدو الذين هم الجزاء المتكلم من تلك الطبيعة الصامتة، ويوم صارت لغة الحياة المنبسطة تصرفها الألسنة والأقلام في مناح من العلوم والآداب والصناعات التي قام بها التمدن الإسلامي. وإن صمت الطبيعة البدوية إنما هو في حقيقة الاعتبار جزء متمم في المعنى للغة أهلها، كما أن حركة العمران إنما هي حركة العمل في مصنع اللغة. وليس يخفى أن حياة اللغة وموتها أمران يؤخذان بالاعتبار؛ فإن اللغة الحية هي التي تكون مشايعة بأوضاعها لكل ما يجد من مستحدثات الحياة، فكلما خلت ألفاظها المتداولة بين أهلها مما يصور معنى جديدًا أو يؤدي غرضًا حادثًا، لم تعقم أوضاعها بما ينتج هذا اللفظ الجديد ويسد هذه الخلة الطارئة؛ فهي بذلك فيما تأخذ وتدع كأنها تتنفس، والتنفس أول صفات الحياة.
ولكن اللغة التي ترمى بأنها في سبيل الميتة، لا يزال يطرأ عليها النقص كلما زادت مستحدثات الحياة؛ لوقوفها عن حد من الوضع محدود، وقعودها بكل طريق تدفع إليه من طرق التعبير، فلا يبرح أهلها يتناولون من غيرها، ويزيدون نقصها؛ حتى تصبح بهذه المداخلة لغة جديدة من عمل الزمن وكأن أصلها بقية من أهلها، وأهلها بقية من أصلها؛ لفقدان المميزات الجنسية التي أخص دلائلها اللغة.
وقد عرفوا الحي بأنه الكائن الذي ينمو من باطنه؛ فإذا كان في اللغة ما يساعد على نموها المستمر مع بقائها متميزة في نفسها -بحيث تحيل كل ما يداخلها من ألفاظ اللغات الأخرى إلى أوضاعها الخاصة بها والمقومة لهيئتها، فلا تتحيفها الزيادة الطارئة عليها مهما بلغت، ولا تخرجها من حيزها إلى مضطرب لا تثبت لها فيه الجنسية ولا ينطبق عليها وصف الاستقلال- وإلا فتلك هي اللغة

اسم الکتاب : تاريخ آداب العرب المؤلف : الرافعي ، مصطفى صادق    الجزء : 1  صفحة : 114
   ««الصفحة الأولى    «الصفحة السابقة
   الجزء :
الصفحة التالیة»    الصفحة الأخيرة»»   
   ««اول    «قبلی
   الجزء :
بعدی»    آخر»»   
صيغة PDF شهادة الفهرست