النظام بتقديم المسند إليه على المسند غير مستحسن إلاَّ إذا اقتضته ضرورة أو حاجة كالوزن الشعري، ومقتضيات السّجع، أو دعا إليه داعٍ بلاغيّ معنوي أو جمالي في اللفظ.
وقد درج ذوق الناطق العربيّ الفصيح على أن يكنّي عمّا سبق له أن ذكره بضمير ظاهر أو مستتر، مع العلم بأنَّ الضمير المستتر ملاحظٌ ذهناً، لذا فله حكم الضمير الظاهر، ولو كان ستره وعدم ذكره أمراً واجباً في أسلوب التعبير العربيّ الفصيح.
فإذا أراد الناطق العربي الْقُحُّ الفصيح أن يخبر مثلاً بنزول المطر في موسم نزوله، ولم يجد أنّ من يخاطبه منكر، ولم يجد أنّ عليه شيئاً من علامات الإِنكار، وليس من غرض يقتضي منه أنْ يغيّر النظام الأوليَّ للكلام، فإنّه يقول عمّا حدث في الماضي: "نَزَل المطر" ويقول عمّا يجري حدوثُه مع كلامه: "يَنْزل المطر" ولا يجد داعياً لأنْ يقدّم المسند إليه فيقول: "المطر نزل" أو "المطر ينزل".
لكن إذا وجّه كلامه لمن سبق أن أَخْبَرَ بناءً على دلائل الأرصاد الجويّة بأنّ المطر لا ينزل خلال أربع وعشرين ساعة، فجاء الواقع على خلاف ما أخبر، أو أراد بشارة أهله أو قومه بنزول المطر الذي يترقبونه لحاجتهم إليه، أو أراد أن يُعَبِّر عن اهتمامه بحصول هذا الحدث، أو كان الموسم موسِماً يُسْتَغْرَبُ فيه نزول الأمطار، أو كان يُرِيدُ التعبيرَ عن فرحته، أو الثناءَ على نوع المطر النازل، أو التوطئة للثناء على الله الّذي أنزله، أو التوطئة للحثّ على شكر الله على نعمته، أو نحو ذلك من مقتضيات التقوية والتأكيد، أو مقتضيات البدء في الجملة بذكر ما هُو الأهمُّ في نفسه أو نفس المخاطب، كان من المستحسن أن يُعبِّر بأسلوب بُشعِرُ بتقوية الخبر، أو بما يلائم مقتضى الحال، ومن الأساليب المؤديّة للأغراض السابقة تقديم المسند إليه على المسند، فيقول بمقتضى سليقته في تذوّق أساليب